الاثنين، 25 أبريل، 2011

العلاقة بين اللغة والفكر

العلاقة بين اللغة والفكر :

د / الحملاوي صالح عبد المعتمد

تعتبر اللغة أهم الاختراعات الاجتماعية التي تميز بها الإنسان عن الأحياء التي تقاسمه الوجود ، فقد كانت وسيلة إلى كل ما أنجزه من تراث وأبدعه ويبدعه من حضارة ، وبها تمايزت وتعارفت المجتمعات البشرية ، وتتعاظم وظيفة اللغة يوماً بعد يوم مع التقدم البشري ، وفي الحضارة المعاصرة ، حضارة الثورة العلمية والتكنولوجية ،حضارة الاتصال والمواصلات والفضائيات والانترنت والفاكس والأقمار الصناعية ، يفوق دور اللغة كل دور جوهري كان لها ، على خطر ذلك الدور في التاريخ ، فالكلمة الآن أكثر سيولة وأقرب مساراً عن طريق وسائل الاتصال الإلكترونية عبر الفضاء.

والحقيقة أن هناك علاقة وطيد بين اللغة والفكر ، ذات أهمية في فهم ـ ليس فقط طبيعة ظاهرة التفكير ـ بل أيضاً فهم طبيعة ظاهرة اللغة نفسها ، لذا لم يكن ممكناً إغفال هذه القضية طويلاً ، فانبعث كموضوع يستفز التفكير والنظر حتى من داخل علم اللسانيات ، وذلك جلي في أعمال " تشومسكي " و " جول كريستيفا " و"بلومفليد " وغيرهم .

لقد كان التصور الفلسفي القديم يعتبر اللغة مجرد وعاء لفظي يأتي المحمول الفكري ليستبطنه ويحل فيه ، فالأفكار حسب التقليد الفلسفي الأفلاطوني ماهيات وجواهر ، وما اللغة إلا أغلغه وقنوات لفظية تستخدم للقبض على الفكرة والتعبير عنها ! وجرى تناقل هذا التصور الأفلاطوني معطياً نوعاً من الاستقلالية للتفكير عن التعبير ، وللفكرة عن اللفظ ، بل تشكل حس لغوي يعطي نوعاً من الأسبقية في الوجود للتفكير ، حس تعززه تجارب التعبير اليومية نفسها ، فنحن نقول عادة " لا أجد الألفاظ التي تعبر عن آرائي " أو " لا تسعفني اللغة في نقل مشاعري وأفكاري " من هنا تشكل ذلك الوعي اللغوي الذي اعتبر اللغة مجرد أداة ووسيلة يستخدمها التفكير في مختلف عملياته لنقل مقصوده ومعناه ، وفي هذا السياق يقول ابن خلدون : " أعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده ، وتلك العبارة فعل إنساني " . وهكذا نلاحظ أن هذا التصوير اللغوي الذي يفصل بين فعل التعبير وفعل التفكير ، يصفه ابن خلدون أنه من " المتعارف " أي من المتفق عليه والمتفق على القول به وفي ذلك دلالة على شيوع هذا التصور وتداوله قديماً .

تعريف اللغة : يرى بعض الباحثين أن " اللغة قدرة ذهنية مكتسبة ، يمثلها نسق يتكون من رموز اعتباطية منطوقة ، يتواصل بها أفراد مجتمع ما " ، إن نظرة مدققة للتعريف تفصح عن أنه يتكون من ثلاثة أقسام:

القسم الأول : يؤكد أن اللغة قدرة ذهنية تختلف من فرد لآخر ، وتتداخل فيها عوامل فسيولوجية ، تتمثل في تراكيب الأذن والجهاز العصبي والمخ والجهاز الصوتي .

القسم الثاني : يؤكد على الطبيعة الصوتية للغة ، وأن الصلة بين هذه الأصوات وما تدل عليه صلة اعتباطية ، وأن اللغة اختراع ، ويرى البعض أن أهم اختراع توصلت إليه البشرية استخدام اللغة الأولى .

القسم الثالث : يؤكد طبيعة اللغة الاجتماعية في التواصل بين أفراد المجتمع ونقل الأفكار ، وأهمية اللغة تأتي من أنها تسهل عملية التواصل ، وتجعل عملية التفكير ممكنة بتنظيمها للواقع بمختلف تجلياته ومعطياته ونقله إلى وحدات رمزية مجردة ، إلا أن وظيفة اللغة لا تتوقف عند مجرد نقلها للواقع وتداول الأفكار ، بل تقطعه وتجزئه وتصنفه على نحو خاص ، فكل لغة كما يقول " أندريه مارتينييه " : " تمثل طريقة خاصة في تنظيم العالم " ولقد كان ابن جني سابقاً إلى ذلك في تعريفه للغة إذا يقول : " حد اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم " ، وهذا التعريف تعريف دقيق يتفق في جوهره مع تعريف المحدثين للغة ، فهو يؤكد الجانب الصوتي للرموز اللغوية ويوضح وظيفتها الاجتماعية في نقل الأفكار والتعبير في إطار البيئة اللغوية واختلاف لغات البشر ، فلكل قوم لغتهم التي يعبرون بها عن أغراضهم .

العلاقة بين اللغة والتفكير :

انطلاقاً مما تقدم تصبح الإجابة عن السؤال : هل يمكن التفكير بدون اللغة ؟ التفكير اللغوي القديم لم يكن بحكم طبيعة انشغالاته المعرفية الموجهة نحو قضايا اللغة النحوية والبلاغة .. بقادر على طرح مثل هذا السؤال الذي ينتمي إلى فضاء التفكير المعاصر ، رغم وجود بعض اللمعات الفكرية والفلسفية التي أدركت الصلة بين اللغة والفكر من خلال أبحاثها وجدالاتها المنطقية مثل محاورة المفكر الإسلامي " أبي سعيد السيرافي " والمنطقي " متى "" التي قدمها " أبو حيان التوحيدي " في كتابة الممتع " الإمتاع والمؤائسة " حيث خلص السيرافي إلى رفض منطق اليونان بحجة ارتباطه باللغة اليونانية ! ومن ثم سيكون استنساخه في الفضاء الثقافي العربي استنساخاً خاطئاً غير مسوغ . وينبغي الإشارة إلى تلك المقولة الأخاذة والنافذة " اللغة مرآة العقل " التي تعتبر مثالاً فريداً عن كيف يمكن أن تمارس اللغة سلطتها علينا لمصلحتها ، فقد رسخت هذه المقولة في الأذهان مفهوم التطابق بين اللغة والفكر وبين بنية العقل أداة إنتاج هذا الفكر ، ويرى البعض أن اللغة وسيلة لإبراز الفكر من حيز الكمون إلى حيز التصريح وهي عماد التأمل والتفكير الصامت ، ولولاها لما استطاع الإنسان أن يسبر غور الحقائق ، حينما يسلط عليها أضواء فكره ، وكان العالم " ورف " قد اهتم بطريق تأثير العلاقات اللغوية على التفسير أو التعبير المعرفي للبشر ، فاللغة تغني عن إحضار الواقع المادي بشخوصه وسماته وأعيانه ، لأنها تجريد رمزي متفق عليه ، لذا فبدون لغة " يستعصي " التفكير في الواقع ، إذا يستحيل هذا الأخير إلى شتات من الظواهر وفوضى لا نميز فيها شيئاً ، و يمكننا الاستشهاد برأي طه حسين في كتابه " مستقبل الثقافة العربية " حول علاقة اللغة بالفكر إذ يقول : " نحن نشعر بوجودنا وبحاجاتنا المختلفة وعواطفنا المتباينة ، وميولنا المتناقضة حين نفكر ، ومعنى ذلك أننا لا نفهم أنفسنا الا بالتفكير ، ونحن لا نفكر في الهواء ولا نستطيع أن نفرض الأشياء على أنفسنا الا مصورة في هذه التي نقدرها ونديرها في رؤوسنا ونظهر منها للناس ما نريد ونحتفظ منها لأنفسنا بما نريد فنحن نفكر باللغة " إذن فاللغة ليست رموزا ولا مواصفات فنية وحسب ، ولكنها إلى جانب ذلك وفي الأساس منهج فكر وطريقة نظر وأسلوب تصور ، هي رؤية متكاملة تمدها خبرة حضارية متفردة وتكوين نفسي مميز ، فالذي يتكلم لغة هو في واقع الأمر يفكر بها ، فهي تحمل في كيانها تجارب أهلها وخبرتهم وحكمتهم وبصيرتهم وفلسفتهم .

اللغة والفكر لدى جون واطسون:

ومن بين أكثر الآراء والنظريات تطرفاً بشأن العلاقة بين اللغة والفكر ، نجد آراء ونظريات جون واطسون مؤسس المدرسة السلوكية في علم النفس ، فقد وجد واطسون في نظريته تلك المساواة بين اللغة والفكر ، واعتبر الفكر مجرد الكلام الذي يبقى وراء الصوت ، وقد عرف واطسون الفكر على أنه "حديث دون المستوى المسموع Sub-Vocal Speech" أي الحديث الذي لا يسمعه إلا الآخرون.

وبيّن واطسون أن الإنسان عندما يفكر يتكلم بالفعل ولكن الكلام لا يكون مسموعاً من الآخرين ، بالإضافة لذلك أكد واطسون على أن التفكير يتكون من حركات أو استجابات ضمنية Implicit ضعيفة جداً تقع في عضلات اللسان والحلق وباقي أعضاء جهاز الكلام ، هذه الحركات والاستجابات التي تصاحب عملية التفكير وإن كانت ضعيفة إلا أنها تكون كافية لتنبيه المخ والجهاز العصبي ، وأخيراً أكد واطسون على أن أفضل طريقة لدراسة الفكر هي تسجيل وتحديد تلك الحركات والاستجابات الضمنية التي ترافقه.

اللغة والفكر لدى جان بياجيه :

ويتخذ نفس الموقف تقريباً من العلاقة بين اللغة والفكر ، عالم النفس السويسري جان بياجيه ، الذي يرى أن اللغة تلعب دوراً هاماً وحيوياً في تطور الفكر وبلوغه مستويات أعلى وأكثر تطوراً إلا أنه يرى أنه من الخطأ المساواة بينهما ، ويؤكد على أن الفكر يسبق اللغة ويزيد عليها ، فقد بيّن بياجيه في العديد من دراساته وخاصة في كتابه "اللغة والفكر عند الطفل، 1926" أن اللغة وإن كانت تعمل كوسيلة للفكر وتساعد على بلوغه المستويات الأكثر تجرداً إلا أنها لا يمكن أن تفسر اكتساب الفكر ولا يمكن أن تتساوى به. وعليه؛ فقد حدد بياجيه مراحل التطور النسبي لظهور التراكيب والبُنى المعرفية الخاصة باللغة كما يلي:

[1] المراحل الحس حركية اللغوية.

[2] مرحلة ما قبل العمليات اللغوية.

وكما هو معروف فإن بياجيه قسم هذه المرحلة إلى مرحلتين هما:

- مرحلة ما قبل المفاهيم - مرحلة التخمين

[3] مرحلة العمليات المحسوسة اللغوية.

[4] مرحلة العمليات الذهنية المجردة اللغوية.

اللغة والفكر لدى فيجوتسكى :

من وجهة نظر فيجوتسكي أن الكلام المركزي الذات الذي يتطور وينمو إلى الكلام الداخلي هو المفتاح الحقيقي لفهم الكلام الداخلي (الفكر) ، نظراً لأنه يكون متاح للملاحظة والدراسة ، ويكون من السهل التعرف على خصائصه ودراسته قبل أن يصبح شيئاً داخلياً صعب الملاحظة ، ويعتبر فيجوتسكي الكلام المركزي الذات هو حلقة الاتصال بين اللغة بكافة مظاهرها (الكلام المنطوق والمظهر الداخلي الدلالي الذي يجعل الكلمات تكتسب معنى) ، وبين الفكر أي الكلام الداخلي.