الأربعاء، 2 ديسمبر، 2009

مهارات التفكير العليا

(*)
تُعد تنمية مهارات التفكير العليا لدى التلاميذ هدفاً رئيساً ، يسعى القائمون على العملية التعليمية لتحقيقه في جميع المراحل الدراسية ، ويُعتبر ـ في الوقت ذاته ـ وسيلة للارتقاء بمستوى الفرد والمجتمع معا . وقد ازداد الاهتمام في الآونة الأخيرة (عقدي الثمانينيات والتسعينيات) بمجال تحسين وتطوير مهارات التفكير العليا لدى تلاميذ المدارس ـ في جميع المراحل التعليمية ، الأمر الذي حثت عليه الأبحاث والدراسات الحديثة ، وكان من أهم توصياتها : الحاجة الملحة لتطوير التعليم تستدعي الاهتمام بتلك المهارات وتنميتها .
( Costa et al , 1989 ; Feldhausen et al , 1984 ; Nicely,R,1985 ; NCTM , 1999 ; Swartz , R ,1989 ) ، وقد أدى ذلك إلى ظهور اتجاهين في كيفية تطوير مهارات التفكير العليا لدى التلاميذ بشكل عام ؛ وليس لمادة دراسية محددة :
1) الاتجاه الأول : يرى أن يتم ذلك من خلال دروس وبرامج خاصة ومحددة في تطوير مهارات التفكير العليا (De Bono , 1986) .
2) الاتجاه الثاني : يرى إمكانية تطوير مهارات التفكير العليا من خلال الحصص اليومية للمواد الدراسية ، وخاصة في مادة الرياضيات .
( Krulike & Rundink 1993 ; NCTM,1999 ; Beyr,1987 ; Judith , L. et al , 1999 )
تعريف مهارات التفكير العليا :
أولاً : تعريف المهارة :
للمهارة " عدة معان مرتبطة ببعضها ، منها : خصائص النشاط المعقد الذي يتطلب فترة من التدريب المقصود والممارسة المنظمة ، بحيث تؤدى بطريقة ملائمة ـ وعادة ما يكون لهذا النشاط وظيفة مفيدة . ومن معاني المهارة أيضا : الكفاءة والجودة في الأداء . وسواء استخدم المصطلح بهذا المعنى أو ذاك ، فإن المهارة تدل على السلوك المتعلم أو المكتسب الذي يتوافر له شرطان جوهريان ، أولهما: أن يكون موجها نحو إحراز هدف أو غرض معين ، وثانيهما : أن يكون منظما بحيث يؤدي إلى إحراز الهدف في أقصر وقت ممكن . وهذا السلوك المتعلم يجب أن يتوافر فيه خصائص السلوك الماهر ( آمال صادق ، وفؤاد أبو حطب، 1994 ؛ 330 ) ، ويعرف (Cottrell) المهارة بأنها : القدرة على الأداء والتعلم الجيد وقتما نريد ( Cottrell , 1999 ,P.21). والمهارة نشاط متعلم يتم تطويره خلال ممارسة نشاط ما ، تدعمه التغذية الراجعة ، وكل مهارة من المهارات تتكون من مهارات فرعية أصغر منها، والقصور في أي من المهارات الفرعية يؤثر على جودة الأداء الكلي.
ثانيا ) تعريف التفكير :
إن كلمة التفكير ـ كما يشير كثير من الباحثين ـ يعوزها التحديد ، سواء في لغة الحياة اليومية أو في لغة علم النفس على وجه الخصوص ، وهي تشير إلى كثير من أنماط السلوك المختلفة والى أنواع متباينة من المواقف ، لذا ؛ من الصعوبة بمكان تعريف التفكير أو اختيار تعريف محدد له تتمثل فيه طبيعة التفكير ومهامه ووسائله ونتاجاته ، وتحديد المظاهر التي يتجلى فيها. وقد أورد ( عبد الحكيم السلوم ، 2001 ) ، ( فرج عبد القادر طه ، 1993 ؛ 233 ) عدة نماذج متنوعة من التعريفات نلخصها على النحو التالي:
1) التفكير بمعناه العام :
هو نشاط ذهني عقلي ، تحركه أو تستثيره مشكلة أو مسألة تتطلب الحل ، ويقود إلى دراسة المعطيات وتفحصها بقصد التحقق من صحتها . ويعني ـ أيضا ـ عملية نفسية ذات طبيعة اجتماعية تتصل اتصالاً وثيقاً بالكلام ، وتستهدف التنقيب والكشف عما هو جوهري في الأشياء والظواهر ، وتحري واستقصاء واستنتاج منطقي ـ نتوصل عن طريقه إلى العديد من النتائج التي تبين مدى الصحة والخطأ لأية معطيات كانت.
2) التفكير كسلوك :
هو سلوك عقلي ، يخضع لعملية الضبط والتوجيه في انتخاب العناصر والرموز ـ ذات العلاقة بالمشكلة ـ في مجال الفكرة ، وله وسائله الخاصة في المستوى الرمزي ، وطرائقه في تقصي الحلول والحقائق في حال عدم وجود حل جاهز لها.
3) التفكير كعملية عقلية (mental operations) :
هو نظام معرفي يقوم على استخدام الرموز التي تعكس العمليات العقلية الداخلية ، بالتعبير المباشر عنها أو بالتعبير الرمزي ، ومادة التفكير الأساسية هي المعاني والمفاهيم والمدركات.
 وتجدر الإشارة أن هناك حاجة للتفريق بين مفهومي : التفكير ، مهارات التفكير . حيث أن " التفكير " عملية كلية نقوم عن طريقها بمعالجة عقلية للمدخلات الحسية والمعلومات المسترجعة لتكوين الأفكار أو استدلالها أو الحكم عليها ، وتضمن الإدراك والحدس ، وعن طريقها تكتسب الخبرة السابقة معنى . أما " مهارات التفكير " فهي عمليات محددة نمارسها ونستخدمها عن قصد في معالجة المعلومات مثل : مهارات تحديد المشكلة ، إيجاد الافتراضات ، ... وغيرها . ( فتحي عبد الرحمن جروان ، 1999 ؛ 35 )
ثالثاً : تعريف مهارات التفكير العليا :
اتفق التربويون في المؤتمر السنوي العاشر عن التفكير الناقد وإصلاح التعليم على التعريف التالي لمهارات التفكير العليا : يحدث تفكير عالي المستوى عندما يحصل الشخص على معلومات جديدة ، ويخزنها في الذاكرة ، ثم تترابط أو ترتب وتقيم ـ هذه المعلومات ـ لتحقيق هدف ما . وهذه المهارات تشتمل على بعض المهارات الفرعية مثل : التحليل ـ التركيب ـ التقويم ( المركز القومي للبحوث التربوية والتنمية ، 1996 ؛ 17 )
في حين يعرفها ( حسن شحاتة ، زينب النجار ، 2003؛ 303 ) بأنها مهارات غير تقليدية ، تهدف إلى تعليم التلاميذ كيف يفكرون وذلك من خلال القيام بإجراءات رياضية معينة وبخطوات محددة أكبر من مجرد استدعاء الحقائق والمعارف الرياضية أو تطبيق المهارات الحسابية ، وتشتمل مهارات التفكير على مهارات فرعية ( تحليل ـ تركيب ـ تقويم ) وهي المستويات الثلاث العليا من التصنيف المعرفي عند بلوم .
 والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : لماذا الاهتمام بتنمية مهارات التفكير العليا ؟ ولماذا تصنيف بلوم المعرفي ؟
عن الشق الأول من السؤال يجيب ( روبرت إنز ، 1995 ؛ 144 ) أن تنمية تلك المهارات تقدم لنا الخدمات التالية :
1. تشخيص مستويات التفكير العليا لدى الطلاب .
2. تقديم تغذية راجعة للطلاب عن مستوى قدرتهم على التفكير .
3. تحفيز الطلاب على التفكير بشكل أفضل .
4. إفادة المدرسين عن مدى نجاحهم في عملية التدريس .
5. اتخاذ القرار المناسب حول ما إذا كان الطالب جديرا بالالتحاق برنامج تربوي معين أم لا؟
6. القيام بالدراسات والأبحاث العلمية في مجال تدريس مستويات التفكير العليا .
7. تحميل المدارس مسئولية مدى النجاح في تدريس مستويات التفكير العليا .
وفي نفس السياق يضيف ( فهيم مصطفى ،2002 ؛ 2) أن التفكير الإيجابي تجاه المشكلات يجعل احتمال الوقوع في الخطأ قليل ، و يحد من اتخاذ القرارات المتسرعة التي ينتج عنها أخطاء جسيمة ، كما أن التفكير الإيجابي يزود الفرد بمجموعة من الخطط المدروسة والتي تتمثل في : كيفية اتخاذ القرار ـ كيفية حل المشكلات ، ... وغيرها.
وبالنسبة للشق الثاني من السؤال ـ والخاص بتصنيف بلوم المعرفي ـ فإن المتتبع للتراث التربوي يجد أن تصنيف بلوم المعرفي اكتسب شهرة عالمية ، ووضع كدليل لمساعدة المربين والمعلمين في تخطيط الأهداف والخبرات التعليمية . ولهذا ؛ فإن الجمعية الأميركية لتطوير المناهج والتعليم قد حددت ( 20 ) مهارة تفكير أساسية ، يمكن تعليمها وتعزيزها في المدرسة ، وقد اشتملت القائمة على المستويات الست لتصنيف بلوم المعرفي ( فتحي عبد الرحمن جروان ، 1999؛ 46 ) ، ومن ناحية أخرى يقدم لنا التراث العلمي المتصِل بالتفكير ، قوائم متعددة من العمليات المعرفية التي يمكن اعتبارها مهارات تفكير ، ومن الأهمية بمكان أن نختار أي المهارات لها السبق على غيرها في تنميتها لدى التلاميذ ـ وفي مادة الرياضيات على وجه الخصوص ؛ لذلك يؤكد ( باريرا) أننا لابد أن نلجأ لدراسات باحثين من أمثال بلوم ، لكي نحقق النجاح في تعليم مهارات التفكير ، ومن الحكمة أن يختار المربون مهارات التفكير العليا التي اقترحها بلوم ، فهي تمثل ما ينبغي على التلاميذ القيام به كأهداف أو كغايات لأعمال تعلم محددة ، تسهم في تنمية تفكيرهم . لهذا ؛ قد لا يختلف اثنان على أهمية تنمية تلك المهارات ـ بوجه عام ـ وعلى أهمية تنمية مهارات التفكير العليا المتضمنة بتصنيف بلوم المعرفي ( تحليل ـ تركيب ـ تقويم ) ـ بوجه خاص . ( باريرا ،1997؛ 5 : 7 )
وبالرغم من هذا ، فقد اكتنف هذا التصنيف بعضا من أوجه النقد ـ سواء على مستوى النظرية أو التطبيق ـ وتتلخص أهم أوجه النقد الرئيسة الموجهة إلى هذا التصنيف ما يلي :
1. يؤكد التصنيف على مستوى التذكر ، ويهتم به بقدر كبير ، دون إعطاء الاهتمام الكافي للعمليات العقلية الأعلى ؛ وبالتالي فإنه يؤدي إلى تشجيع " الاستظهار " من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن الإبداع يحتل مكانة هامشية في التصنيف ؛ ومن ثم فهو يدعم المفهوم الآلي للتعليم والذي يمكن إرجاع أصوله إلى النظرية السلوكية .
2. مستوى التقويم يجب أن يأتي في ترتيب مبكر ، باعتباره متطلبا سابقا لبعض المستويات الأخرى ، بالإضافة إلى أن المعلمين لا يستخدمون غالبا الأهداف التعليمية ـ على النحو المفترض والمرجو ـ في عمليات التخطيط للدرس .
3. تعتبر هرمية التصنيف من أضعف نقاطه ، وقد انتقدت هذه الهرمية من زوايا متعددة منها : عدم بناء المستويات الفرعية على نفس المبدأ التصنيفي ـ اختلاف المستويات في محتواها فقط ، دون أن تختلف في الخواص التي تؤثر في شروط تعلمها ، بالإضافة إلى : النقص في الثبات ـ النقص في الصدق ـ مستوى التعقد مفهوم غامض وقد يكون مضللاً. ( فايز مراد مينا ، 2000 ؛ 188 : 193 )
 وتجدر الإشارة أن : هدف الدراسة الحالية تنمية بعض مهارات التفكير العليا ، وهذه المهارات تمثل المستويات الثلاث العليا من تصنيف بلوم المعرفي : ( تحليل ـ تركيب ـ تقويم) ، ونظرا لطبيعة تلك المستويات من حيث ترتيبها الهرمي ؛ بمعنى أن كل مستوى من المستويات السابقة يتضمن المستوى الأقل الذي يسبقه ، فمستوى الفهم يتضمن مهارات مستوى التذكر ، والتطبيق يتضمن مهارات التذكر والفهم ، والتحليل يتضمن مهارات التذكر والفهم والتطبيق ، وهكذا ... ، بالإضافة إلى أن المستويات الثلاث الدُنيا : ( تذكر ـ فهم ـ تطبيق ) من الأهداف الرئيسة والتي يجب تنميتها لوحدة تطابق المثلثات ، بالإضافة إلى أنه يستحيل تنمية المهارات العليا دون الدنيا ، ويعتبر المستوى الأول ( التذكر ) حجر الزاوية لتنمية باقي المستويات العليا : كالتحليل والتركيب والتقويم ؛ لذلك تناولت الدراسة الحالية كلا المستويين معاً ( الدنيا والعليا ) ، ووضُح ذلك في مشكلة الدراسة وصياغة فروضها واختبار مهارات التفكير ( القبلي / البعدي ) ، والذي تم تسميته " اختبار مهارات التفكير العليا " ، لأنه من المسَلَّم به أن المستويات العليا تضمن المستويات الدنيا ، والعكس غير صحيح . والشكل التالي يوضح تتابع تلك المستويات :
شكل (2) يوضح تتابع المستويات الست لتصنيف بلوم المعرفي ( مهارات التفكير العليا )







ومن ناحية أخرى ، يجب الأخذ في الاعتبار أن هناك عددا من العوامل التي تساعد على تحقيق النجاح في تعليم التفكير منها : المعلم ـ البيئة المدرسية والصفية ـ ملاءمة النشاطات التعليمية لمهارات التفكير ـ استخدام الاستراتيجية المناسبة لتعليم تلك المهارات ،... وغيرها ؛ بالإضافة إلى ما تضمنته المعايير المهنية لتدريس الرياضيات ـ والتي نشرت في منتصف تسعينيات القرن العشرين ـ والتي أكدت على عدد من المحاور أهمها :
1. على المعلم الاهتمام ببيئة التعلم ؛ أي خلق بيئة تعلم تنمي قدرات ومهارات التفكير لدى التلاميذ في الرياضيات ـ وذلك باحترام أفكار التلاميذ وطرقهم في التفكير ، وتوفير الوقت لكي يكتشفوا الأفكار الرياضية ويحلو المشكلات .
2. على المعلم أن يوفر السياق الضروري لتنمية كفاءات التلاميذ في الرياضيات على نحو متسق ، وأن يعطي الفرصة للتلاميذ لكي يعملوا على نحو مستقل وفي جماعات باعتبارهم أعضاء في مجتمع التعلم .
3. على المعلم أن يشجع المخاطرة الفكرية لدى تلاميذه وذلك عن طريق : طرح أسئلة ـ صياغة تأملات ـ تدعيم إظهار الاستقلالية الفكرية للتلاميذ ـ مساندة الأفكار التي تحقق أهداف التعلم بفاعلية ؛ وهذه النظرة تقتضي من المعلمين أن يُدرِّسوا الرياضيات على نحو له معنى ومغزى ، وأن يؤمنوا بأن الرياضيات تتضمن وتتطلب فهماً ، حيث أن معتقدات المعلم تؤثر في نوع التعليم الذي يقدمه ؛ فالمعلم هو الشخصية المفتاحية في تأكيد التفكير في حجرة الدراسة ، وزيادة قدرة التلاميذ كمفكرين أعظم هدية يحظى بها المعلم ويظفر بها . ( جابر عبد الحميد ، 2000 ، 291 ؛ 2001، 5)