الأربعاء، 2 ديسمبر، 2009

الذكاء في علم النفس

الذكاء في علم النفس:

يُعد مفهوم الذكاء من أكثر المفاهيم السيكولوجية التي دار حولها النقاش والجدل فتعددت تعريفاته ، وتمايزت نظرياته ، وتنوعت أساليب قياسه ، وفي المقابل لا يوجد مصطلح أو مفهوم في علم النفس يَجمع بين شيوع الاستخدام وصعوبة التعريف الإجرائي مثل مصطلح الذكاء ،
ولم يتم التوصل حتى الآن إلى تعريف محدد قاطع مانع يُجمع عليه علماء النفس والمربون . وقد ظهرت كلمة ذكاء Intelligence على يد الفيلسوف الروماني شيشرون (Ciceron) ، وهي كلمة لاتينية شاعت في اللغات الأوروبية بنفس الاسم ، وترجمت إلى العربية بكلمة ذكاء ( فؤاد أبو حطب ، 1992؛ 236) ، وبينما يرى البعض أن الذكاء والتعلم مترادفان ، فإن هناك من يرى أن الذكاء هو : ما تقيسه اختبارات الذكاء . ويمكن ترتيب تعريفات الذكاء على متصل بحيث يحتل الذكاء كعامل واحد أحد قطبيه ، ويحتل الذكاء كعوامل متعددة ـ تتحدد من خلال التحليل العاملي ـ القطب الآخر ، وهناك منظوران للذكاء : كمي / كيفي ، ويهتم المنظور الكمي بكم الاستجابة وسرعتها ومدى صحتها ورواده : Wechsler) Thurston & Guilford, Cattell, Binet, (Terman, في حين يهتم المنظور الكيفي بنوع الاستجابة واستراتيجياتها وفاعليتها ، وأعظم رواده : عالم النفس السويسري (Piaget) ( فتحي الزيات ، 1995؛ 94 ) . وفكرة وجود ذكاء واحد يقيسه المعامل العقلي ـ والقول بأن الفرد يولد بإمكانية محددة من الذكاء يصعب تغييرها ، قوبلت باعتراض من قِبَل بعض علماء النفس منذ العشرينيات من القرن الماضي ، كما انتقد العديد من الباحثين على تقدير مستوى ذكاء الإنسان عن طريق المعامل العقلي ـ فقط ـ باستخدام اختبارات تعتمد على أجوبة مختصرة أو قياس بسيط مثل : Lippman ) ) الذي أوضح أن المعايير المستعملة لقياس الذكاء مشكوك في فعاليتها وقدرتها. Lippman , 1922 ) )
وقد تابع بعض علماء النفس دراساتهم ، وأبرزوا بالتدريج أن الذكاء عبارة عن مجموعة من القدرات التي يمتلكها الفرد ؛ وهو أيضا ما انتقده (Lohman) حيث أشار إلى أن معظم المعلمين وكثير من علماء النفس يعتقدون أن مقاييس اختبارات الذكاء ـ والتي تقيس بعض القدرات الفطرية والكامنة لدى المتعلم ـ تتعارض مع بعض نظريات الشخصية التي تملك مصداقية ، وليس من السهولة تغيير تلك النظريات بواسطة أدلة غير مؤكدة عن ذكاء الفرد . (Lohman, 1993, p. 14)، وهو أيضا ما أكده (Yekovich) مشيرا إلى أن اختبارات الذكاء المنتشرة في منظومة التعليم الأمريكية ، بها كثير من نقاط الضعف ، وثمة حقيقة واضحة أن تلك الاختبارات يتم استخدامها بالنسبة للمجموعات الصغيرة ( التربية الخاصة ـ وبرامج الموهوبين ) وأنه يجب إعادة النظر في تلك الاختبارات ومناقشة المفاهيم الحالية للذكاء ، والتي تشير إلى عدم إمكانية نموه أو تطويره . (Yekovich , 1994)
ومن أوائل النظريات التي بحثت في الذكاء نظرية (Spearman) التي نظرت إلى الذكاء بصورة بسيطة حيث أعتقد (Spearman) أن الناس يختلفون في مدى ما يمتلكون من طاقة عقلية. وأتى آخرون بعده كأمثال: Thurston) Guilford & (Cattell, ، وحددوا بنية القدرات العقلية بتفصيل أكثر مما جاء به (Spearman) ، أما (Thurston) فقد بين في جامعة شيكاغو عام 1930 أن الذكاء يتضح في ستة مظاهر مستقلة عن بعضها البعض. وبعد ذلك بمرور ثلاثين سنة ـ تقريباً ـ قام (Guilford) بتعداد 120 شكلاً للذكاء ، ثم مددها لتصبح 150 شكلاً ، أما (Sternberg) فقد أقترح نظرية تقوم على تحليل مكونات الذكاء وذلك من خلال تحليل الأساليب التي يستخدمها الإنسان عندما يقوم بحل المشكلات في الحياة العامة والمشكلات التي ترد في اختبارات الذكاء ، وقد اعتبر (Sternberg) أن هناك ثلاث مظاهر أساسية للذكاء يجب أن تقوم عليها النظرية المكتملة في الذكاء وهي :
1 ـ الذكاء الأكاديمي ويمكن قياسه بالقدرة على حل المشكلات .
2 ـ الذكاء العملي والذي يستخدم في مواقف الحياة اليومية ـ وليس من السهل قياسه ، نظرا لعدم سهولة حصر مواقف الحياة وقياسها نظرياً .
3 ـ الذكاء الإبداعي الذي يتضح من خلال اكتشاف حلول جديدة للمشكلات الجديدة أو اكتشاف حلول مختلفة غير مألوفة Sternberg, 1985) ) .
وقد حاول بعض علماء النفس وضع تعريفا للذكاء مثل (Thorndike) الذي أوضح أن الذكاء هو : " القدرة على عمل الاستجابات الملائمة " ، في حين يعرفه (Pinter) " بالقدرة على التكيف للمواقف الجديدة نسبيا " ،(Terman) " بالقدرة على التفكير المجرد " ، (Woohrow) " بالقدرة على الاكتساب والتعلم " ، في حين يجعل (Wechsler) تعريفه أكثر شمولا ، ويعرف الذكاء على أنه : " القدرة العقلية للفرد للعمل في سبيل هدف ، والقدرة على التفكير وعلى التعامل مع البيئة بكفاءة " ( إبراهيم وجيه ، 1986؛ 110) . أما (فرج عبد القادر طه) فيشير إلى مصطلح " الذكاء " على أنه " قدرة عقلية عامة ، تُعتبر الوظيفة الأساسية للذهن ، وتدخل في كافة الأنشطة العقلية والذهنية بدرجات متفاوتة " ؛ موضحا أن الذكاء من أبرز مكونات الشخصية ، وأشدها خطرا وأقواها وضوحا وتأثيرا ، وأن ذكاء الفرد يتضح من خلال : حدة الفهم وسرعته ودقة صوابه ـ القدرة على التعلم والتحصيل الدراسي ـ مهارة التكيف مع الظروف البيئية الطارئة (ويتضمن ذلك حل المشاكل التي تعترض طريق الفرد ) ـ القدرة على التفكير المجرد والاستنتاج المنطقي . ( فرج عبد القادر طه ، 1993؛ 345) . وهو يتفق مع تعريف ( جابر عبد الحميد ، علاء الدين كفافي ) ، اللذان أشارا إلى مصطلح الذكاء على أنه " قدرة عقلية عامة ، وخاصة على الاستدلال ، وعلى الاستخدام المرن للذاكرة ، كذلك القدرة على الحكم واستخدام المعلومات في التعلم ومواجهة المشكلات والمواقف الجديدة " . ( جابر عبد الحميد ، علاء الدين كفافي ، 1991 ؛ 1768 ) .
أما في مجال الفلسفة فيعرف (عبد المنعم الحفني) الذكاء على أنه " ملكة سرعة إنتاج القضايا ، وسهولة استخراج النتائج "( عبد المنعم الحفني ، 2000 ؛ 369 ) .
وقد أثار( Sternberg )الكثير من الجدل حول مفهوم الذكاء والاختبارات الحالية التي تقيسه، من خلال طرحه لبعض التساؤلات داعيا علماء النفس والتربية إلى محاولة الوصول إلى إجابات عنها مثل: ما طبيعة قدرات الذكاء؟ هل اختبارات الذكاء الحالية تظل سارية المفعول؟ وإلى إي مدى ؟ هل تمثل معيارا للتفسير؟ وقابلية للتعميم ؟ Sternberg, 1992) ) .
مما سبق يتضح أن مفهوم الذكاء من المفاهيم التي أثارت جدلا ـ وما تزال ـ بين علماء النفس ، وأن الاتفاق على مفهوم محدد يرضي أغلب العلماء العاملين في مجال الذكاء ، أمر مشكوك في صحته ، ولعل كثرة التعاريف السابقة توضح أن الذكاء مفهوم متعدد الجوانب ، ليس من السهولة بمكان التوصل إلى كُنهه ، وهذا ما أكده (جابر عبد الحميد ، علاء الدين كفافي) بقولهم : أن هناك اتفاق شائع على أن الذكاء مفهوم كثير الجوانب ، وليس هناك اتفاق على مكوناته المحددة ، ولذلك تجنب الكثير من علماء النفس محاولة التوصل إلى تعريف نهائي للذكاء ( جابر عبد الحميد ، علاء الدين كفافي ، 1991 ؛ 1768 ) ، وهذا ما حدا بـ (Gardner) إلى التوصل إلى مفهوم جديد للذكاء في كتابه أطر العقل عام 1983 ، موضحا أن الذكاء يعني : " القدرة على حل المشكلات ، أو ابتكار المنتجات التي لها قيمة في بيئة ثقافية أو أكثر" . إلا أنه في عام 1999 قدم تعريفا أكثر دقة لمفهوم الذكاء حيث أشار إلى مفهوم الذكاء على أنه : إمكانية نفس حيوية(biopsychology potentials) لمعالجة المعلومات التي يمكن تنشيطها في بيئة ثقافية ، لحل المشكلات أو ابتكار منتجات لها قيمة في ثقافة ما. ( Gardner, H. 1999a ,p33-34)