الاثنين، 30 نوفمبر، 2009

البنائية في علم النفس والعلوم المختلفة

:
البنية كلمة واسعة فضفاضة ، لا تكاد تعني شيئا لأنها تعني كل شيء ، وقيل عنها أنها لفظ متعدد الدلالات ، والبنية لا توجد بالفعل في صميم الأشياء ، وإنما هي مجرد فرض يستخدمه العلماء كأداة ناجعة للبحث ، ويرى البعض أن لفظ البنائية يعني في الاستعمال الشائع فلسفة جديدة في الحياة مثل: كلمة ماركسية , وكلمة وجودية. ( زكريا إبراهيم ، 1976؛ 7 )

وللوقوف على معنى محدد وواضح لمفهوم البنائية ، سوف نحاول تتبع وتلمس الجذور والروافد التي قامت عليها البنائية ، وكيف تبلورت في المجالات المختلفة ؟ فالبنيوية في أول ظهورها اهتمت بجميع نواحي المعرفة الإنسـانية ، ثم اتضحت معالمـها ـ على وجه الخصوص ـ في ميدان البحث اللغوي والنقد الأدبي ، والمتتبع لجذور النظرية البنائية يجد أنها لم تنشأ من فراغ وإنما نمت وتشكلت من خلال أراء العديد من الفلاسفة والعلماء ، وتعتبر الأسماء التالية ، مؤسسو البنائية في المجالات المذكورة :
ـ ففي مجال اللغة ظهرت المعالم الأولى للبنائية وتجسدت في محاضرات (Ferdinand de- Saussure) عام 1916 ، الذي يُعد الرائد الأول للبنيوية اللغوية ، والذي قال ببنيوية النظام اللغوي المتزامن ( أي يرتبط بالذات الشاعرة ) ، حيث أن سياق اللغة لا يقتصر على التطورية Diachronic ، وأن تاريخ الكلمة ـ مثلاً ـ لا يعرض معناها الحالي ، وإنما يكمن في وجود أصل النظام أو البنية . والبنية اللغوية عند (Saussure) تمثل مجموعة من المعاني التي تؤلف نظاماً يرتكز على قاعدة من التمييزات والمقابلات ، وهذه المعاني تتعلق ببعضها البعض ، كما أنها تؤلف نظاماً متزامناً ومجموعة من العلاقات المترابطة .
ـ وفي مجال علم الاجتماع برز كلا من:(Levi – Strauss Claude ، (Lewis Altoseer اللذين قالا: أن جميع الأبحاث المتعلقة بالمجتمع ـ مهما اختلفت ـ تؤدي إلى بنيويات ؛ وذلك لأن المجموعات الاجتماعية تفرض نفسها من حيث أنها مجموع ، وهي منضبطة ذاتياً ، وذلك بالنسبة للضوابط المفروضة عليها من قبل الجماعة.
ـ وفي مجال الأنثروبولوجيا تبنى الكثير من العلماء النظرية البنائية وأشهرهم (Brawn- Radcliff الذي يرى أن البناء يتألف من كائنات إنسانية وأن كلمة " بناء " تشير بالضرورة إلى وجود نوع من التنسيق والترتيب بين " الأجزاء " التي تدخل في تكوين "الكل " الذي نسميه " بناء " وكذلك توجد روابط معينة تقوم بين هذه الأجزاء التي تؤلف "الكل " وتجعل منه بناء متماسكا متمايزا. وفي عام 1955 ظهر كتاب " الآفاق الحزينة " للعالم الأنثروبولوجي (Levi – Strauss Claude)، واعتبره الباحثون بداية لظهور البنيوية على مسرح الفكر. (عبد الوهاب جعفر، 1989أ ؛ 1)
ـ أما في مجال الفلسفة فتبلورت البنائية من خلال أراء (Dewey) الذي يرى أن المعرفة آلة وظيفية في خدمة مطالب الحياة ، في حين يرى الفيلسوف الإيطالي (Vico) أن عقل الإنسان لا يعرف إلا ما يبنيه، أما (Darwin) فقد أوضح أن فكرة المواءمة بين الكائن الحي والبيئة تمثل أساسا للتكيف. (حسن زيتون، كمال زيتون،2003؛28:27)
ـ وفي مجال علم النفس برز كل من : (Michel Foucault , Lecan) ، اللذين وقفا ضد الاتجاه الفردي في مجال الإحساس والإدراك ، وإن كانت نظرية الصيغة (أو الجشتالت) التي ولدت سنة 1912م تعد الشكل المعبر للبنيوية النفسية ـ من وجهة نظرهم ـ ثم أتى (Jean Piaget) الذي يُعد مؤسس البنائية في العصر الحديث ، وقدم للبنائية أهم ما فيها ؛ وهو ما يتعلق بكيفية اكتساب المعرفة وبنائها بواسطة الفرد ، وذكر في كتابه " البنائية " أن " البنائية منهج لا مذهب ، وإذا قلنا بأنها مذهب فلا بد من أن تقودنا إلى كثرة المذاهب " .
( جان بياجيه ، 1985؛ 9)
وبتعدد المجالات السابقة ، تعددت التعريفات المختلفة للبنائية ، فلم تقتصر البنائية على أهل الأنثروبولوجيا ، وعلماء اللغة ، وأصحاب التحليل النفسي وعلم النفس ، وفلاسفة الأبستمولوجيا ، والمهتمين بتاريخ الثقافة فحسب ؛ بل أصبحت أيضا " المفتاح العمومي " الذي يهيب به رجل الأعمال ، وعالم الاقتصاد ، والمربي ، والنحوي ، والناقد الأدبي ، والقاص ، ومصمم الأزياء ، ... وغيرهم ، وكل هذه التطبيقات هي التي جعلت من البنائية كلمة واسعة فضفاضة،لا تكاد تعني شيئا لأنها تعني كل الأشياء.( أحمد عطية أحمد ،1999؛ 74: 75)
وقد أوردت دائرة معارف لاروس مفهوما للبنائية مفاده : أن البنائية ليست مذهبا كما أنها ليست منهجا ، وإنما هي اتجاه عام للبحث في العديد من العلوم الإنسانية ؛ يهدف إلى تفسير الظاهرة الإنسانية بردها إلى كل منتظم . أما (Clerambard) فيرى أن البنائية ليست نظرية فلسفية بمعنى الكلمة ، وإنما هي تيار فكري معاصر موجود لدى فلاسفة مثل : (Michel- Foucault) صاحب الكلمات والأشياء ، (Lecan) صاحب كنايات ( عبد الوهاب جعفر ،1989ب ، 12:13) ، في حين أشارا ( حسن زيتون ، كمال زيتون ،2003؛ 17) إلى أن البحث عن معنى أو تعريف محدد للبنائية يُعَد في حد ذاته مشكلة عويصة ! موضحا أن المعاجم الفلسفية والنفسية والتربوية قد خلت من الإشارة لمادة البنائية ، باستثناء المعجم الدولي للتربية الذي عرفها على أنها : رؤية في نظرية التعلم ونمو الطفل , قوامها أن الطفل يكون نشطا في بناء أنماط التفكير لديه ؛ نتيجة لتفاعل قدراته الفطرية مع الخبرة . إلا أن هذا الكلام تنقصه الدقة ، فثمة تعريفات متعددة للبنائية وردت في بعض المعاجم والدراسات ، وعلى سبيل المثال لا الحصر : يذكر (Cannella & Reiff, 1994; Richardson, 1997) أن البنائية في علم المعرفة (epistemology) تعني نظرية في التعلم ، تهدف لجعل التعلم ذي معنى ، وهي توضح أن جوهر المعرفة هو : كيف يتعلم الإنسان ؟ وكيف يحافظ على تفرده وإبداعه ؟ من خلال بنائه لفهم ومعرفة جديدتين ، وذلك عن طريق تفاعل معلوماته السابقة ، مع الأفكار والأحداث والنشاطات التي يتواصل معها أثناء تعلمه. في حين أشارا ( جابر عبد الحميد ، علاء الدين كفافي ، 1995؛ 3759) إلى مفهوم البنائية Structuralism على أنها: نظرية النمو المعرفي عند جان بياجيه ، والبنية المفترضة هنا : هي بنية التمثيلات العقلية التي وراء السلوكيات الذكية التكيفية وخصائصها ، كتتابع يتقدم خلاله الطفل ( أي كمراحل منطقية وشبه منطقية ) حتى يبلغ مرحلة التفكير الشكلي الإجرائي ، وهي كلية وتفاعلية . في حين ذكر ( عبد المنعم الحفني ،2000؛ 164 : 165 ) إلى مفهوم البنية Structure على أنها الكل يتألف من أجزائه ، وإلى مفهوم البنياوي على أنه : المنسوب إلى البنية ، وإلى مفهوم البنياوية Structuralism على أنها دراسة الظواهر من خلال التركيب البنائي لها ، أو من خلال بنية الظاهرة ، مشيرا إلى أن كلمة بنية بدأ استعمالها الفلسفي الحالي عام 1929 ، وكانت الداعيـة إليه دائرة براغ اللـغوية ، وقد نبه إليه ثلاثة : (Jackobson ، Karcesky ، Troubetskoy )، والبنية في اصطلاحهم تعني : الترابط المحكم بين أجزاء اللغة في تركيب الأصوات والجمل . في حين يشير (عبد الله الغذامي ، 1998 ؛ 33 ) إلى أن تعريف البنيوية أمر صعب التحديد ! حتى بدت وكأنها تصور ذهني يستحيل تبيانه ، ولكن (Jean Piaget) يطرح لها تعريفا يكاد يشفي غليل كل متطلع إلى تعريف محدد ، وذلك حين قال: أن البنية تنشأ من خلال وحدات تتقمص أساسيات ثلاث هي :
1 ـ الشمولية . 2 ـ التحول . 3 ـ التحكم الذاتي .
وتَعني الشمولية : التماسك الداخلي للوحدة ، بحيث تصبح كاملة في ذاتها وليست تشكيلا لعناصر متفرقة ( البنية تنظيم كلي ) ؛ وأن كل مكون من مكونات البنية لا يحمل نفس الخصائص إلا في داخل هذه الوحدة . أما التحول فيعني : أن البنية غير ثابتة ، وإنما هي دائمة التحول وتظل تولِّد من داخلها بنى دائمة التوثب ( لديها القدرة على تغيير شكلها ) . في حين يعني التحكم الذاتي ( أو ذاتية التنظيم ) : أن هذا التحول لا يحدث جُزافا ، وإنما يحدث نتيجة لتحكم ذاتي من داخل البنية ، لذلك فالبنية لا تحتاج لسلطان خارجي لتحريكها. والسمات الثلاثة التي تؤسس البنية فتجعلها شاملة ومتحولة ومتحكمة في ذاتها هي هوية البنية.
وفي نفس السياق تذكر ( سامية أبو اليزيد ، 1982؛ 10:9) أن البنيات العقلية هي جوهر نظرية (Piaget) ، وهي بنيات افتراضية تتكون داخل العقل أثناء تطور ونمو الإنسان من الطفولة إلى الرشد ، وهذه البنيات أساسها تطوري.
وهذا ما ذكره (Piaget) موضحاً أن نمو الكائن ـ معرفياً ـ يتم من خلال بنى معينة ذات طبيعة بيولوجية ، وهذه البنى الأولية يولد بها الطفل ، وتتآزر مع بعضها البعض لتصبح بنىً جديده بعد فترة من التفاعل مع البيئة ، عن طريق عمليتي : التمثل والمواءمة ، ويعني التمثل : العملية التي يأخذ فيها الفرد الأحداث الخارجية ويوحدها مع خبرته وأنظمته القائمة بالفعل ، بطريقة أخرى : هي عملية عقلية مسئولة عن استقبال المعلومات من البيئة ووضعها في تراكيب معرفية موجودة عند الفرد . في حين تشير كلمة مواءمة إلى تعديل التراكيب أو الأبنية العقلية حتى يمكن للمعلومات التي لا تتسق مع الأبنية القائمة التكامل معها أو فهمها ، ويوضح بياجيه أن ما نسميه " أفعالاً منعكسة " هي بنى أولية يولد بها الإنسان ، شأنها شأن بعض البنى الحسية. (إسماعيل محمد الأمين،2001، 39 ؛ عادل عبد الله محمد،1990،43)
مما سبق يتضح أن العثور على تعريف أو مفهوم جامع مانع للبنائية ـ بلغة المناطقة ـ يُعد أمراً صعب المنال ، بل نستطيع القول أن للبنائية تعريفات شتى في المجال الواحد ، وفي الدراسة الحالية يمكن تبني تعريفاً " للبنائية " يُعد ملائما لهدف الدراسة الحالية ؛ وعلى ذلك يمكن القول أن البنائية تعني : نظرية في التعلم المعرفي ، مفادها أن الفرد يبني معرفته بنفسه من خلال تفاعل خبرته السابقة مع معطيات البيئة الثرية من حوله عن طريق عمليتي : التمثل والمواءمة ، بهدف مساعدته على التعلم ، وتتهيأ للمتعلم أفضل الظروف للتعلم عندما يواجه بمشكلة أو مهمة حقيقية ، وتتضمن عملية التعلم إعادة بناء الفرد لمعرفته من خلال عملية تفاوض اجتماعي مع الآخرين ، ويصبح من خلالها دور المعلم ميسرا للتعلم ، والهدف من عملية التعلم هو إحداث تكيفات تتواءم مع الضغوط المعرفية الممارسة على خبرة الفرد ، وتعتمد البنائية على المبادئ التي صاغها بياجيه والخاصة بالنمو المعرفي للطفل .